
حان موعد الرحيل
و كان لابد لى من وداعه
فحثثت الخطى اليه ...
و ابحرت بى ذاكرتى
هاهو يوم علمنا بمقدمه
هاهى ساعة بـًـشّرنا به و كأنى بالامس القريب
بل منذ لحظات وقفت استقبله فيمن وقفوا
و قد اشرأبت الاعناق لمقدمه
و هاهو يطل علينا ضيف كريم ما أكرمه
رسول بالخير ما أجوده
أقبل علينا بوجه كالبدر مضئ
ابتسامته تضئ سماء الدنيا و تنير طريق الاخرة
بياض ثيابه أشد بياضا و نقاءا من الثلج
يسبقه عطره الفواح
عطر ما أطيبه لكأنى به من الجنة
أهو من الجنة!!
نعم من الجنة فضيفنا آت من هناك
و اقبل بوجه ملؤه البشر و الحبور
وقال لنا مبتسما تسبق ابتسامة قلبه و عينه ابتسامة ثغره
اتيتكم بخير ليس له مثيل و لا نظير
فىّ ليلة خـًـبّـئت لهى خير من ألف شهر
استعدوا لها و تحروها تحرى المحب المشتاق
أتيتكم برحمات و نسمات من ربكم فهل من مشمر ؟
هل من متعرض لها فيفوز فوزا عظيما
يا باغى الخير اقبل اقبل
و يا باغى الشر ادبر ادبر
اتيتكم بسلعة
هى الجنة
الا انها سلعة الله
الا انها سلعة الله
الا ان سلعة الله غالية
الا ان سلعة الله غالية
و كان هذا حاله و دأبَه معنا مذكرا واعظا مبشرا لا يكل و لا يمل و لا يفتر
و تذكرت كيف انفرطت اللحظات تباعا حتى اتى موعد رحيله
و كأنه اقام بين اظهرنا ثوان معدودات
و وقفت استاذن للدخول عليه
فاتانى صوته الوقور يأذن لى
دخلت عليه و هو يحزم متاعه و يرتب اغراضه و قد التف حوله قلة من مودعيه
و حينها ترك ما بيده و التفت الىّ و نظر الى و اطال النظر
كأنى بها نظرة مودع محب قد لا يرى مرة اخرى من يودع
و اخذ بيدى و اجلسنى
قال لى اى بنى :
هذا اخر عهدى بكم ازف الرحيل و لا بد منه
اسمع منى و بلغ عنى
لتعلموا انى ما اُرسلت لاحد من قبلكم من الامم بل انا خاصة الله لكم و عطيته انزلها اليكم
فىّ من الخير ما لا يحصيه الا الله و لا يعلمه الا الله و لا يجزى به الا الله
لكن اى بنى ما الى اراكم زهدتم الاخرة الباقية و تعلقتم بالدنيا الفانية
ما لى اراكم بخستم بضاعتى و زهدتموها
مالى اراكم الحقتم بى و نسبتم الى ما ليس منى من المعاصى و الاثام و الشرور
الصقتم بى المنكرات بل و زففتموها زفا الىّ
اى بنى هل جزاء الاحسان الا الاحسان ؟؟!!؟؟
ما لى اركم و قد اثاقلتم الى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة بدلا؟!؟
فما متاع الحياة الدنيا فى الاخرة الا قليل
اى بنى اُشهد الله انى احبكم
اُشهد الله انى اخاف عليكم
اُشهد الله انى ما اكننت لكم و ما حملت لكم الا الخير كل الخير
اى بنى راعنى ان اجد منكم فتورا و نكوصا و زهداً فى غير محله و موضعه
ما مضى على مقدمى الا سويعات قليلة
و زهد فى الجميع الا مأ رحم ربى
رغم انى ما سالت احدا عطاءا و لا جزاءا و لا شكورا
بل تعلم و يعلمون انى اتيتكم بعطاء و جزاء ليس يحمله اليكم الا انا
فمالى ارى هذا و قد جاهر بفطر و معصية
و مالى لا ارى له ناصح امين او اخذ على يده او حتى منكر بالقلب عليه فعلته
و مالى ارى اناسا غلبتهم المظاهر و غلبتهم الدنيا على امرهم
و مالى لا ارى اناسا الا فى ليلة واحدة زعموا انها ليلة القدر و لا يعلمها الا الله
و قد اتوا و كانهم الى امسية او رحلة او نزهة
و قد غابوا عن لقائى طوال اقامتى
و مالى...... و مالى ......و مالى .....
الا من رحم ربى منكم و عفا و منّ عليه بالوصل و الحرص على الخير
اى بنى ليس عتاب منى و الله لكم
و لكنه حرص المحب على حبيبه
و الله انى اخاف عليكم عذاب يوم عظيم
و الله انى اخاف عليكم عذاب يوم عظيم
فرفعت عينى انظر بها الى وجهه فوجدت دمعات تترقق على وجه المستنيركانها حبات لؤلؤ فـُـرطت
اى بنى آن اوان الرحيل
و انتصب واقفا تحوطه سنا الهيبة و الوقار
و ما زال دمعه يقطر و ما استطعت الا ان ارتمى فى احضانه للحظات
قد تكون هى اخر عهدى به فيصيبنى من خيره ما يكتب لى الله به النجاة مما انا فيه
نعم ربما يكون هذا اخر عهدى بك شيخى الوقور
اعلم انك ات لا محالة
لكن ما لا اعلمه و لا يعلمه الا الله انه حين عودتك ربما اكون فى دار غير الدار
إسال الله لنا العفو و العافية شيخى الجليل
ربت على كتفى و اسرّ الى بكلمات فى اذنى و ابتسم لى و مسح دمع عينى بيده الحانية
و قال لى استودعك الله الذى لا تضيع ودائعه
و نظرت حولى فوجدت الكل عن وداعه لاه الا قلة وقفت تذرف الدمع من قلوبها قبل عيونها على فراقه و وداعه
و اخذ يبتعد عنا و كلما خطا بعيدا عنا
شعرت و كأن الضياء الذى كان يحيط بنا يخفت شيئا فشئ